معتزله


+ المعتزلة

التعریف:

المعتزلة فرقة إسلامیة نشأت فی أواخر العصر الأموی وازدهرت فی العصر العباسی، وقد اعتمدت على العقل المجرد فی فهم العقیدة الإسلامیة لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقیدة أهل السنة والجماعة. وقد أطلق علیها أسماء مختلفة منها: المعتزلة والقدریة (*) والعدلیة وأهل العدل والتوحید والمقتصدة والوعیدیة.

التأسیس وأبرز الشخصیات:

اختلفت رؤیة العلماء فی ظهور الاعتزال، واتجهت هذه الرؤیة وجهتین:

ـ الوجهة الأولى: أن الاعتزال حصل نتیجة النقاش فی مسائل عقدیة دینیة کالحکم على مرتکب الکبیرة (*)، والحدیث فی القدر، بمعنى هل یقدر العبد على فعله أو لا یقدر، ومن رأی أصحاب هذا الاتجاه أن اسم المعتزلة أطلق علیهم لعدة أسباب:

1 ـ أنهم اعتزلوا المسلمین بقولهم بالمنزلة بین المنزلتین

2 ـ أنهم عرفوا بالمعتزلة بعد أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصری وشکل حقلة خاصة به لقوله بالمنزلة بین المنزلتین فقال الحسن: "اعتزلنا واصل".

3 ـ أو أنهم قالوا بوجوب اعتزال مرتکب الکبیرة ومقاطعته .

ـ والوجهة الثانیة: أن الاعتزال نشأ بسبب سیاسی حیث أن المعتزلة من شیعة علی رضی الله عنه اعتزلوا الحسن عندما تنازل لمعاویة، أو أنهم وقفوا موقف الحیاد بین شیعة علی ومعاویة فاعتزلوا الفریقین.

أما القاضی عبد الجبار الهمذانی ـ مؤرخ المعتزلة ـ فیزعم أن الاعتزال لیس مذهباً جدیداً أو فرقة طارئة أو طائفة أو أمراً مستحدثاً، وإنما هو استمرار لما کان علیه الرسول صلى الله علیه وسلم وصحابته، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى: (وأعتزلکم وما تدعون) ولقول الرسول صلى الله علیه وسلم : (من اعتزل الشر سقط فی الخیر).

والواقع أن نشأة الاعتزال کان ثمرة تطور تاریخی لمبادئ فکریة وعقدیة ولیدة النظر العقلی المجرد فی النصوص الدینیة وقد نتج ذلک عن التأثر بالفلسفة الیونانیة والهندیة والعقائد الیهودیة والنصرانیة لما سنرى فی فقرة (الجذور الفکریة والعقائدیة) .

قبل بروز المعتزلة کفرقة فکریة على ید واصل بن عطاء، کان هناک جدل (*) دینی فکری بدأ بمقولات جدلیة کانت هی الأسس الأولى للفکر المعتزلی وهذه المقولات نوجزها مع أصحابها بما یلی:

ـ مقولة أن الإنسان حر مختار بشکل مطلق، وهو الذی یخلق أفعاله بنفسه قالها: معبد الجهنی، الذی خرج على عبد الملک بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث .. وقد قتله الحجاج عام 80هـ بعد فشل الحرکة .

ـ وکذلک قالها غیلان الدمشقی فی عهد عمر بن عبد العزیز وقتله هشام بن عبد الملک .

ـ ومقولة خلق القرآن ونفی الصفات، قالها الجهم بن صفوان، وقد قتله سلم بن أحوز فی مرو عام 128هـ .

ـ وممن قال بنفی الصفات أیضاً: الجعد بن درهم الذی قتله خالد بن عبد الله القسری والی الکوفة .

ثم برزت المعتزلة کفرقة فکریة على ید واصل بن عطاء الغزال (80هـ ـ 131هـ) الذی کان تلمیذاً للحسن البصری، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتکب الکبیرة (*) فی منزلة بین المنزلتین (أی لیس مؤمناً ولا کافراً) وأنه مخلد فی النار إذا لم یتب قبل الموت، وقد عاش فی أیام عبد الملک بن مروان وهشام بن عبد الملک، والفرقة المعتزلیة التی تنسب إلیه تسمى: الواصیلة.

ولاعتماد المعتزلة على العقل فی فهم العقائد وتقصیهم لمسائل جزئیة فقد انقسموا إلى طوائف مع اتفاقهم على المبادئ الرئیسة الخمسة ـ التی سنذکرها لاحقاً ـ وکل طائفة من هذه الطوائف جاءت ببدع جدیدة تمیزها عن الطائفة الأخرى .. وسمت نفسها باسم صاحبها الذی أخذت عنه .

وفی العهد العباسی برز المعتزلة فی عهد المأمون حیث اعتنق الاعتزال عن طریق بشر المریسی وثمامة بن أشرس وأحمد بن أبی دؤاد وهو أحد رؤوس بدعة الاعتزال فی عصره ورأس فتنة خلق القرآن، وکان قاضیاً للقضاة فی عهد المعتصم.

ـ فی فتنة خلق القرآن امتحن الإمام أحمد بن حنبل الذی رفض الرضوخ لأوامر المأمون والإقرار بهذه البدعة، فسجن وعذب وضرب بالسیاط فی عهد المعتصم بعد وفاة المأمون وبقی فی السجن لمدة عامین ونصف ثم أعید إلى منزله وبقی فیه طیلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق .

 

ـ لما تولى المتوکل الخلافة عام 232هـ انتصر لأهل السنة (*) وأکرم الإمام أحمد وأنهى عهد سیطرة المعتزلة على الحکم ومحاولة فرض عقائدهم بالقوة خلال أربعة عشر عاماً .

فی عهد دولة بنی بویه عام 334 هـ فی بلاد فارس ـ وکانت دولة شیعیة ـ توطدت العلاقة بین الشیعة (*) والمعتزلة وارتفع شأن الاعتزال أکثر فی ظل هذه الدولة فعین القاضی عبد الجبار رأس المعتزلة فی عصره قاضیاً لقضاء الری عام 360هـ بأمر من الصاحب بن عباد وزیر مؤید الدولة البویهی ، وهو من الروافض (*) المعتزلة، یقول فیه الذهبی: " وکان شیعیًّا معتزلیًّا مبتدعاً " ویقول المقریزی: " إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البویهیة فی العراق وخراسان وما وراء النهر "

وممن برز فی هذا العهد: الشریف المرتضى الذی قال عنه الذهبی: " وکان من الأذکیاء والأولیاء المتبحرین فی الکلام والاعتزال والأدب والشعر لکنه إمامی جلد ".

بعد ذلک کاد أن ینتهی الاعتزال کفکر مستقل إلا ما تبنته منه بعض الفرق کالشیعة وغیرهم .

عاد فکر الاعتزال من جدید فی الوقت الحاضر، على ید بعض الکتاب والمفکرین، الذین یمثلون المدرسة العقلانیة الجدیدة وهذا ما سنبسطه عند الحدیث عن فکر الاعتزال الحدیث .

ومن أبرز مفکری المعتزلة منذ تأسیسها على ید واصل بن عطاء وحتى اندثارها وتحللها فی المذاهب الأخرى کالشیعة والأشعریة والماتریدیة ما یلی:

ـ أبو الهذیل حمدان بن الهذیل العلاف (135 ـ226 هـ) مولى عبد القیس وشیخ المعتزلة والمناظر عنها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطویل عن واصل بن عطاء، طالع کثیراً من کتب الفلاسفة وخلط کلامهم بکلام المعتزلة، فقد تأثر بأرسطو وأنبادقلیس من فلاسفة الیونان، وقال بأن " الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته " انظر الفرق بین الفرق للبغدادی ص 76 . وتسمى طائفة الهذیلیة .

 

ـ إبراهیم بن یسار بن هانئ النظام (توفی سنة 231هـ) وکان فی الأصل على دین البراهمة (*) وقد تأثر أیضاً بالفلسفة الیونانیة مثل بقیة المعتزلة .. وقال:بأن المتولدات من أفعال الله تعالى، وتسمى طائفته النظامیة .

ـ بشر بن المعتمر (توفی سنة 226 هـ) وهو من علماء المعتزلة، وهو الذی أحدث القول بالتولد وأفرط فیه فقال: إن کل المتولدات من فعل الإنسان فهو یصح أن یفعل الألوان والطعوم والرؤیة والروائح وتسمى طائفته البشریة

ـ معمر بن عباد السلمی (توفی سنة 220 هـ) وهو من أعظم القدریة (*) فریة فی تدقیق القول بنفی الصفات ونفی القدر (*) خیره وشره من الله وتسمى طائفته: المعمریة .

ـ عیسى بن صبیح المکنى بأبی موسى الملقب بالمردار (توفی سنة 226هـ) وکان یقال له: راهب المعتزلة، وقد عرف عنه التوسع فی التکفیر (*) حتى کفر الأمة بأسرها بما فیها المعتزلة، وتسمى طائفته المرداریة .

ـ ثمامة بن أشرس النمیری (توفی سنة 213هـ)، کان جامعاً بین قلة الدین وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق یخلد فی النار إذا مات على فسقه من غیر توبة . وهو فی حال حیاته فی منزلة بین المنزلتین . وکان زعیم القدریة فی زمان المأمون والمعتصم والواثق وقیل إنه الذی أغرى المأمون ودعاه إلى الاعتزال، وتسمى طائفته الثمامیة .

ـ عمرو بن بحر: أبو عثمان الجاحظ (توفی سنة 256هـ) وهو من کبار کتاب المعتزلة، ومن المطلعین على کتب الفلاسفة، ونظراً لبلاغته فی الکتابة الأدبیة استطاع أن یدس أفکاره المعتزلیة فی کتاباته کما یدس السم فی الدسم مثل، البیان والتبیین، وتسمى فرقته الجاحظیة .

 

ـ أبو الحسین بن أبی عمر الخیاط (توفی سنة 300هـ) من معتزلة بغداد و بدعته التی تفرد بها قوله بأن المعدوم جسم، والشیء المعدوم قبل وجوده جسم، وهو تصریح بقدم العالم، وهو بهذا یخالف جمیع المعتزلة وتسمى فرقته الخیاطیة .

ـ القاضی عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمدانی (توفی سنة 414هـ) فهو من متأخری المعتزلة، قاضی قضاة الری وأعمالها، وأعظم شیوخ المعتزلة فی عصره، وقد أرخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفکریة والعقدیة.

المبادئ والأفکار:

جاءت المعتزلة فی بدایتها بفکرتین مبتدعتین:

ـ الأولى: القول بأن الإنسان مختار بشکل مطلق فی کل ما یفعل، فهو یخلق أفعاله بنفسه، ولذلک کان التکلیف، ومن أبرز من قال ذلک غیلان الدمشقی، الذی أخذ یدعو إلى مقولته هذه فی عهد عمر بن عبد العزیز . حتى عهد هشام بن عبد الملک، فکانت نهایته أن قتله هشام بسبب ذلک .

ـ الثانیة: القول بأن مرتکب الکبیرة (*) لیس مؤمناً ولا کافراً ولکنه فاسق فهو بمنزلة بین المنزلتین، هذه حاله فی الدنیا أما فی الآخرة فهو لا یدخل الجنة لأنه لم یعمل بعمل أهل الجنة بل هو خالد مخلد فی النار، ولا مانع عندهم من تسمیته مسلماً باعتباره یظهر الإسلام وینطق بالشهادتین ولکنه لا یسمى مؤمناً.

ثم حرر المعتزلة مذهبهم فی خمسة أصول:

1 ـ التوحید .

2 ـ العدل .

3 ـ الوعد والوعید .

4 ـ المنزلة بین المنزلتین .

5 ـ الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر .

1 ـ التوحید: وخلاصته برأیهم، هو أن الله تعالى منزه عن الشبیه والمماثل (لیس کمثله شیء) ولا ینازعه أحد فی سلطانه ولا یجری علیه شیء مما یجری على الناس. وهذا حق ولکنهم بنوا علیه نتائج باطلة منها: استحالة رؤیة الله تعالى لاقتضاء ذلک نفی الصفات، وأن الصفات لیست شیئاً غیر الذات، وإلا تعدد القدماء فی نظرهم، لذلک یعدون من نفاة الصفات وبنوا على ذلک أیضاَ أن القرآن مخلوق لله سبحانه وتعالى لنفیهم عنه سبحانه صفة الکلام.

2 ـ العدل: ومعناه برأیهم أن الله لا یخلق أفعال العباد، ولا یحب الفساد، بل إن العباد یفعلون ما أمروا به وینتهون عما نهوا عنه بالقدرة التی جعلها الله لهم ورکبها فیهم وأنه لم یأمر إلا بما أراد ولم ینه إلا عما کره، وأنه ولی کل حسنة أمر بها، بریء من کل سیئة نهى عنها، لم یکلفهم ما لا یطیقون ولا أراد منهم ما لا یقدرون علیه . وذلک لخلطهم بین إرادة الله تعالى الکونیة (*) وإرادته الشرعیة (*) .

3 ـ الوعد والوعید: ویعنی أن یجازی الله المحسن إحساناً ویجازی المسیء سوءاً، ولا یغفر لمرتکب الکبیرة (*) إلا أن یتوب .

4 ـ المنزلة بین المنزلتین: وتعنی أن مرتکب الکبیرة فی منزلة بین الإیمان والکفر فلیس بمؤمن ولا کافر . وقد قرر هذا واصل بن عطاء شیخ المعتزلة .

5 ـ الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر: فقد قرروا وجوب ذلک على المؤمنین نشراً لدعوة الإسلام وهدایة للضالین وإرشاداً للغاوین کل بما یستطیع: فذو البیان ببیانه، والعالم بعلمه، وذو السیف بسیفه وهکذا . ومن حقیقة هذا الأصل أنهم یقولون بوجوب الخروج على الحاکم إذا خالف وانحرف عن الحق .

ومن مبادئ المعتزلة الاعتماد على العقل (*) کلیًّا فی الاستدلال لعقائدهم وکان من آثار اعتمادهم على العقل فی معرفة حقائق الأشیاء وإدراک العقائد، أنهم کانوا یحکمون بحسن الأشیاء وقبحها عقلاً فقالوا کما جاء فی الملل والنحل للشهرستانی: " المعارف کلها معقولة بالفعل، واجبة بنظر العقل، وشکر المنعم واجب قبل ورود السمع أی قبل إرسال الرسل، والحسن والقبیح (*) صفتان ذاتیتان للحسن والقبیح " .

ـ ولاعتمادهم على العقل أیضاً أوَّلوا الصفات بما یلائم عقولهم الکلیة، کصفات الاستواء والید والعین وکذلک صفات المحبة والرضى والغضب والسخط ومن المعلوم أن المعتزلة تنفی کل الصفات لا أکثرها .

ـ ولاعتمادهم على العقل أیضاً، طعن کبراؤهم فی أکابر الصحابة وشنعوا علیهم ورموهم بالکذب، فقد زعم واصل بن عطاء: أن إحدى الطائفتین یوم الجمل فاسقة، إما طائفة علی بن أبی طالب وعمار بن یاسر والحسن والحسین وأبی أیوب الأنصاری أو طائفة عائشة والزبیر، وردوا شهادة هؤلاء الصحابة فقالوا: لا تقبل شهادتهم .

ـ وسبب اختلاف المعتزلة فیما بینهم وتعدد طوائفهم هو اعتمادهم على العقل فقط ـ کما نوهنا ـ وإعراضهم عن النصوص الصحیحة من الکتاب والسنة، ورفضهم الإتباع بدون بحث واستقصاء وقاعدتهم التی یستندون إلیها فی ذلک:

" کل مکلف مطالب بما یؤدیه إلیه اجتهاده فی أصول الدین "، فیکفی وفق مذهبهم أن یختلف التلمیذ مع شیخه فی مسألة لیکون هذا التلمیذ صاحب فرقة قائمة، وما هذه الفرق التی عددناها آنفاً إلا نتیجة اختلاف تلامیذ مع شیوخهم، فأبو الهذیل العلاف له فرقة، خالفه تلمیذه النظام فکانت له فرقة، فخالفه تلمیذه الجاحظ فکانت له فرقة، والجبائی له فرقة، فخالفه ابنه أبو هاشم عبد السلام فکانت له فرقة أیضاَ وهکذا .

ـ وهکذا نجد أن المعتزلة قد حولوا الدین إلى مجموعة من القضایا العقلیة والبراهین المنطقیة، وذلک لتأثرهم بالفلسفة (*) الیونانیة عامة وبالمنطق (*) الصوری الأوسطی خاصة .

وقد فند علماء الإسلام آراء المعتزلة فی عصرهم، فمنهم أبو الحسن الأشعری الذی کان منهم، ثم خرج من فرقتهم ورد علیهم متبعاً أسلوبهم فی الجدال (*) والحوار .. ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل الذی اکتوى بنار فتنتهم المتعلقة بخلق القرآن ووقف فی وجه هذه الفتنة بحزم وشجاعة نادرتین .

ـ ومن الردود قویة الحجة، بارعة الأسلوب، رد شیخ الإسلام ابن تیمیة ـ رحمه الله ـ علیهم فی کتابه القیم: درء تعارض العقل والنقل فقد تتبع آراءهم وأفکارهم واحدة واحدة ورد علیها ردًّا مفحماً .. وبین أن صریح العقل لا یکمن أن یکون مخالفاً لصحیح النقل .

وقد ذُکر فی هذا الحدیث أکثر من مرة أن المعتزلة اعتمدوا على العقل (*) فی تعاملهم مع نصوص الموحی (*)، وقد یتوهم أحد أن الإسلام ضد العقل ویسعى للحجر علیه . ولکن هذا یرده دعوة الإسلام إلى التفکر فی خلق السموات والأرض والترکیز على استعمال العقل فی اکتشاف الخیر والشر وغیر ذلک مما هو معروف ومشهور مما دعا العقاد إلى أن یؤلف کتاباً بعنوان: التفکر فریضة إسلامیة، ولهذا فإن من انحرافات المعتزلة هو استعمالهم العقل فی غیر مجاله: فی أمور غیبیة مما تقع خارج الحس ولا یمکن محاکمتها محاکمة عقلیة صحیحة، کما أنهم بنوا عدداً من القضایا على مقدمات معینة فکانت النتائج لیست صحیحة على إطلاقها وهو أمر لا یسلّم به دائماً حتى لو اتبعت نفس الأسالیب التی استعملوها فی الاستنباط والنظر العقلی: مثل نفیهم الصفات عن الله اعتماداً على قوله تعالى: (لیس کمثله شیء). وکان الصحیح أن لا تنفى عنه الصفات التی أثبتها لنفسه سبحانه وتعالى ولکن تفهم الآیة على أن صفاته سبحانه وتعالى لا تماثل صفات المخلوقین.

وقد حدد العلماء مجال استعمال العقل بعدد من الضوابط منها:

ـ أن لا یتعارض مع النصوص الصحیحة .

ـ أن لا یکون استعمال العقل فی القضایا الغیبیة التی یعتبر الوحی هو المصدر الصحیح والوحید لمعرفتها.

ـ أن یقدم النقل على العقل فی الأمور التی لم تتضح حکمتها " وهو ما یعرف بالأمور التوقیفیة".

ولا شک أن احترام الإسلام للعقل وتشجیعه للنظر والفکر لا یقدمه على النصوص الشرعیة الصحیحة . خاصة أن العقول متغیرة وتختلف وتتأثر بمؤثرات کثیرة تجعلها لا تصلح لأن تکون الحکم المطلق فی کل الأمور . ومن المعروف أن مصدر المعرفة فی الفکر الإسلامی یتکون من:

1 ـ الحواس وما یقع فی مجالها من الأمور الملموسة من الموجودات .

2 ـ العقل (*) وما یستطیع أن یصل إلیه من خلال ما تسعفه به الحواس والمعلومات التی یمکن مشاهدتها واختبارها وما یلحق ذلک من عملیات عقلیة تعتمد فی جملتها على ثقافة الفرد ومجتمعه وغیر ذلک من المؤثرات .

3 ـ الوحی (*) من کتاب وسنة حیث هو المصدر الوحید والصحیح للأمور الغیبیة، وما لا تستطیع أن تدرکه الحواس، وما أعده الله فی الدار الآخرة، وما أرسل من الرسل إلخ

وهکذا یظهر أنه لا بد من تکامل العقل والنقل فی التعامل مع النصوص الشرعیة کل فیما یخصه وبالشروط التی حددها العلماء.

الجذور الفکریة والعقائدیة:

هناک روایة ترجع الفکر المعتزلی فی نفی الصفات إلى أصول یهودیة فلسفیة فالجعد بن درهم أخذ فکره عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبید بن الأعصم الیهودی.

وقیل: إن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنیة ـ وهی فرقة هندیة تؤمن بالتناسخ (*) ـ قد أدت إلى تشکیکه فی دینه وابتداعه لنفی الصفات .

إن فکر یوحنا الدمشقی وأقواله تعد مورداً من موارد الفکر الاعتزالی، إذ أنه کان یقول بالأصلح ونفی الصفات الأزلیة حریة الإرادة الإنسانیة .

ـ ونفی القدر عند المعتزلة الذی ظهر على ید الجهنی وغیلان الدمشقی، قیل إنهما أخذاه عن نصرانی یدعى أبو یونس سنسویه وقد أخذ عمرو بن عبید صاحب واصل بن عطاء فکرة نفی القدر عن معبد الجهنی .

ـ تأثر المعتزلة بفلاسفة (*) الیونان فی موضوع الذات والصفات، فمن ذلک قول أنبادقلیس الفیلسوف الیونانی: "إن الباری تعالى لم یزل هویته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة المحضة وهو الجود والعزة، والقدرة والعدل والخیر والحق، لا أن هناک قوى مسماة بهذه الأسماء بل هی هو، وهو هذه کلها" انظر الملل والنحل ج 2/ ص58.

وکذلک قول أرسطوطالیس فی بعض کتبه "إن الباری علم کله، قدره کله، حیاة کله، بصر کله".

فأخذ العلاف وهو من شیوخ المعتزله هذه الأفکار وقال: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حی بحیاة وحیاته ذاته.

ـ وأخذ النظام من ملاحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذی لا یتجرأ، ثم بنى علیه قوله بالطفرة، أی أن الجسم یمکن أن یکون فی مکان (أ) ثم یصبح فی مکان (ج) دون أن یمر فی (ب) .

وهذا من عجائبه حتى قیل: إن من عجائب الدنیا: " طفرة النظام وکسب الأشعری " .

ـ وإن أحمد بن خابط والفضل الحدثی وهما من أصحاب النظام قد طالعا کتب الفلاسفة ومزجا الفکر الفلسفی مع الفکر النصرانی مع الفکر الهندی وقالا بما یلی:

1 ـ إن المسیح (*) هو الذی یحاسب الخلق فی الآخرة.

2 ـ إن المسیح تدرع بالجسد الجسمانی وهو الکلمة القدیمة المتجسدة.

3 ـ القول بالتناسخ (*).

4 ـ حملا کل ما ورد فی الخبر عن رؤیة الله تعالى على رؤیة العقل الأول هو أول مبتدع وهو العقل الفعال الذی منه تفیض الصور على الموجودات .

یؤکد العلماء تأثیر الفلسفة (*) الیونانیة على فکر المعتزلة بما قام به الجاحظ وهو من مصنفی المعتزلة ومفکریهم فقد طالع کثیراً من کتب الفلاسفة وتمذهب بمذهبهم ـ حتى إنه خلط وروج کثیراً من مقالاتهم بعبارته البلیغة .

ـ ومنهم من یرجع فکر المعتزلة إلى الجذور الفکریة والعقدیة فی العراق ـ حیث نشأ المعتزلة ـ الذی یسکنه عدة فرق تنتهی إلى طوائف مختلفة، فبعضهم ینتهی إلى الکلدان وبعضهم إلى الفرس وبعضهم نصارى وبعضهم یهود وبعضهم مجوس (*). وقد دخل هؤلاء فی الإسلام وبعضهم قد فهمه على ضوء معلوماته القدیمة وخلفیته الثقافیة والدینیة.

الفکر الاعتزالی الحدیث:

یحاول بعض الکتاب والمفکرین فی الوقت الحاضر إحیاء فکر المعتزلة من جدید بعد أن عفى علیه الزمن أو کاد .. فألبسوه ثوباً جدیداً، وأطلقوا علیه أسماء جدیدة مثل العقلانیة أو التنویر أو التجدید (*) أو التحرر الفکری أو التطور أو المعاصرة أو التیار الدینی المستنیر أو الیسار الإسلامی ..

ـ وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفکر الغربی العقلانی المادی، وحاولوا تفسیر النصوص الشرعیة وفق العقل (*) الإنسانی .. فلجأوا إلى التأویل (*) کما لجأت المعتزلة من قبل ثم أخذوا یتلمسون فی مصادر الفکر الإسلامی ما یدعم تصورهم، فوجدوا فی المعتزلة بغیتهم فأنکروا المعجزات (*) المادیة .. وما تفسیر الشیخ محمد عبده لإهلاک أصحاب الفیل بوباء الحصبة أو الجدری الذی حملته الطیر الأبابیل .. إلا من هذا القبیل .

وأهم مبدأ معتزلی سار علیه المتأثرون بالفکر المعتزلی الجدد هو ذاک الذی یزعم أن العقل هو الطریق الوحید للوصول إلى الحقیقة، حتى لو کانت هذه الحقیقة غیبیة شرعیة، أی أنهم أخضعوا کل عقیدة وکل فکر للعقل البشری القاصر .

وأخطر ما فی هذا الفکر الاعتزالی .. محاولة تغییر الأحکام الشرعیة التی ورد فیها النص الیقینی من الکتاب والسنة .. مثل عقوبة المرتد، وفرضیة الجهاد (*)، والحدود، وغیر ذلک .. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات، والطلاق والإرث .. إلخ .. وطلب أصحاب هذا الفکر إعادة النظر فی ذلک کله .. وتحکیم العقل فی هذه المواضیع . ومن الواضح أن هذا العقل الذی یریدون تحکیمه هو عقل متأثر بما یقوله الفکر الغربی حول هذه القضایا فی الوقت الحاضر .

ومن دعاة الفکر الاعتزالی الحدیث سعد زغلول الذی نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصریة وقاسم أمین مؤلف کتاب تحریر المرأة و المرأة الجدیدة، ولطفی السید الذی أطلقوا علیه: " أستاذ الجیل " وطه حسین الذی أسموه "عمید الأدب العربی " وهؤلاء کلهم أفضوا إلى ما قدموا . هذا فی البلاد العربیة .

أما فی القارة الهندیة فظهر السیر أحمد خان، الذی منح لقب سیر من قبل الاستعمار (*) البریطانی . وهو یرى أن القرآن الکریم لا السنة النبویة هو أساس التشریع وأحلّ الربا البسیط فی المعاملات التجاریة . ورفض عقوبة الرجم والحرابة، ونفى شرعیة الجهاد لنشر الدین (*)، وهذا الأخیر قال به لإرضاء الإنجلیز لأنهم عانوا کثیراً من جهاد المسلمین الهنود لهم .

ـ وجاء تلمیذه سید أمیر علی الذی أحلّ زواج المسلمة بالکتابی وأحل الاختلاط بین الرجل والمرأة .

ـ ومن هؤلاء أیضاً مفکرون علمانیون، لم یعرف عنهم الالتزام بالإسلام .. مثل زکی نجیب محمود صاحب (الوضعیة المنطقیة) وهی من الفلسفة (*) الوضعیة الحدیثة التی تنکر کل أمر غیبی .. فهو یزعم أن الاعتزال جزء من التراث ویجب أن نحییه، وعلى أبناء العصر أن یقفوا موقف المعتزلة من المشکلات القائمة (انظر کتاب تجدید الفکر العربی ص 123) .

ـ ومن هؤلاء أحمد أمین صاحب المؤلفات التاریخیة والأدبیة مثل فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام، فهو یتباکى على موت المعتزلة فی التاریخ القدیم وکأن من مصلحة الإسلام بقاؤهم، ویقول فی کتابه: ضحى الإسلام: " فی رأیی أن من أکبر مصائب المسلمین موت المعتزلة " (ج3 ص207).

ـ ومن المعاصرین الأحیاء الذین یسیرون فی رکب الدعوة الإسلامیة من ینادی بالمنهج (*) العقلی الاعتزالی فی تطویر العقیدة والشریعة مثل الدکتور محمد فتحی عثمان فی کتابه الفکر الإسلامی والتطور .. والدکتور حسن الترابی فی دعوته إلى تجدید أصول الفقه حیث یقول: " إن إقامة أحکام الإسلام فی عصرنا تحتاج إلى اجتهاد (*) عقلی کبیر، وللعقل (*) سبیل إلى ذلک لا یسع عاقل إنکاره، والاجتهاد الذی نحتاج إلیه لیس اجتهاداً فی الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد فی الأصول أیضاً " (انظر کتاب المعتزلة بین القدیم والحدیث ص 138) .

ـ وهناک کتاب کثیرون معاصرون، ومفکرون إسلامیون یسیرون على المنهج نفسه ویدعون إلى أن یکون للعقل دور کبیر فی الاجتهاد (*) وتطویره، وتقییم الأحکام الشرعیة، وحتى الحوادث التاریخیة .. ومن هؤلاء فهمی هویدی ومحمد عمارة ـ صاحب النصیب الأکبر فی إحیاء تراث المعتزلة والدفاع عنه ـ وخالد محمد خالد و محمد سلیم العوا، وغیرهم . ولا شک بأهمیة الاجتهاد وتحکیم العقل فی التعامل مع الشریعة الإسلامیة (*) ولکن ینبغی أن یکون ذلک فی إطار نصوصها الثابتة وبدوافع ذاتیة ولیس نتیجة ضغوط أجنبیة وتأثیرات خارجیة لا تقف عند حد، وإذا انجرف المسلمون فی هذا الاتجاه ـ اتجاه ترویض الإسلام بمستجدات الحیاة والتأثیر الأجنبی بدلاً من ترویض کل ذلک لمنهج الله الذی لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه ـ فستصبح النتیجة أن لا یبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من الشریعة إلا رسمها ویحصل للإسلام ما حصل للرسالات السابقة التی حرفت بسبب إتباع الأهواء والآراء حتى أصبحت لا تمت إلى أصولها بأی صلة .

ویتضح مما سبق:

أن حرکة المعتزلة کانت نتیجة لتفاعل بعض المفکرین المسلمین فی العصور الإسلامیة مع الفلسفات السائدة فی المجتمعات التی اتصل بها المسلمون . وکانت هذه الحرکة نوع من ردة الفعل التی حاولت أن تعرض الإسلام وتصوغ مقولاته العقائدیة والفکریة بنفس الأفکار والمناهج الوافدة وذلک دفاعاً ع الإسلام ضد ملاحدة تلک الحضارات بالأسلوب الذی یفهمونه . ولکن هذا التوجه قاد إلى مخالفات کثیرة وتجاوزات مرفوضة کما فعل المعتزلة فی إنکار الصفات الإلهیة تنزیهاً لله سبحانه عن مشابهة المخلوقین .

ومن الواضح أیضاً أن أتباع المعتزلة الجدد وقعوا فیما وقع فیه أسلافهم، وذلک أن ما یعرضون الآن من اجتهادات إنما الهدف منها أن یظهر الإسلام بالمظهر المقبول عند أتباع الحضارة الغربیة والدفاع عن نظامه العام قولاً بأنه إنْ لم یکن أحسن من معطیات الحضارة الغربیة فهو لیس بأقل منها .

ولذا فلا بد أن یتعلم الخلف من أخطاء سلفهم ویعلموا أن عزة الإسلام وظهوره على الدین کله هی فی تمیز منهجه وتفرد شریعته واعتباره المرجع الذی تقاس علیه الفلسفات والحضارات فی الإطار الذی یمثله الکتاب والسنة بفهم السلف الصالح فی شمولهما وکمالهما.

----------------------------------------------------

مراجع للتوسع:

ـ الملل والنحل للشهرستانی.

ـ الفرق بین الفرق للبغدادی.

ـ مقالات الإسلامیین للأشعری.

ـ القاضی عبد الجبار الهمدانی للدکتور عبد الکریم عثمان.

ـ ابن تیمیة للشیخ محمد أبی زهرة.

ـ درء تعارض العقل والنقل لشیخ الإسلام ابن تیمیة.

ـ البدایة والنهایة لابن کثیر.

ـ المعتزلة بین القدیم والحدیث لمحمد العبدة وطارق عبد الحلیم.

ـ ضحى الإسلام لأحمد أمین.

ـ تجدید الفکر العربی لزکی نجیب محمود.

ـ دراسات فی الفرق والعقائد لعرفات عبد الحمید.

ـ الدعوة إلى التجدید فی منهج النقد، عصام البشیر (بحث مقدم لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامیة لنیل درجة الماجستیر).

ـ عقائد السلف لعلی سامی النشار.

ـ محمد عمارة فی میزان أهل السنة والجماعة، سلیمان بن صالح الخراشی.

ـ حوار هادئ مع الشیخ الغزالی. سلمان بن فهد العودة.

ـ منهج المدرسة العقلیة الحدیثة فی التفسیر، د. فهد الرومی.

ـ العصریون معتزلة الیوم ـ یوسف کمال.

ـ العصرانیة فی حیاتنا الاجتماعیة. د. عبد الرحمن بن زید الزنیدی.

ـ العصرانیون. محمد حامد الناصر.

ـ دراسات فی السیرة. محمد سرور زین العابدین.

ـ تنبیه الأنام لمخالفة شلتوت الإسلام. الشیخ عبد الله بن یابس.

ـ مفهوم تجدید الدین. بسطامی محمد سعید.

ـ تجدید أصول الفقه. د.حسن الترابی.

ـ غزو من الداخل، جمال سلطان.

ـ مجلة کلیة أصول الدین جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامیة.

ـ "المدرسة العقلیة الحدیثة وصلتها بالقدیمة" د. ناصر العقل. العدد الثالث سنة 1400هـ.

 http://www.saaid.net/feraq/mthahb/3.htm

 

 

 

نویسنده : سید محسن موسوی زاده ; ساعت ٤:۳٥ ‎ب.ظ ; یکشنبه ۱۸ اردیبهشت ،۱۳٩٠
تگ ها: المعتزله
comment نظرات () لینک